الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
73
نفحات القرآن
وهذه الحقيقة اتضحت لنا بسبب الاكتشافات العلمية الحديثة . وممّا يثير الاهتمام أيضاً أنّ الروايات الإسلامية تحدثت كثيراً أيضاً عن تجسم الأعمال في البرزخ والقيامة ، ولكن لا يعلم علّة عدم اهتمام المفسرين السابقين بهذه الروايات ، ومن المحتمل أن يكون السبب في ذلك هو اعتقادهم بأنّ الأعمال « اعراض » وبأنّها فانية وبأنّ إعادة المعدوم محال ، بينما اتّضح لنا في هذا الزمان بطلان هذا الاستدلال كلياً ( وسوف نقرأ في بحث تجسم الأعمال تفصيلًا أكثر في هذا المجال ) . 41 - يوماً تتقلَّبُ فيه القلوب والأبصار 42 - يوم تشخصُ فيه الأبصار التعبيران المذكوران في الآيتين أعلاه واللذان يجمعهما شبه كبير يرفعان الستار عن أسرار أخرى من أسرار ذلك اليوم العظيم ، ويحملان لجميع الناس نداءات جديدة . ففي الآية الأولى قال تعالى : « يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ والْابْصَارُ » . ( النور / 37 ) وفي الآية الثانية قال تعالى : « إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ » . ( إبراهيم / 42 ) حلبة المحشر رهيبة من عدة جوانب : من جانب ما يستجد فيها من الوقائع الرهيبة التي تقع عند قيام القيامة ، ومن جانب استعداد الملائكة مع حضور الاشهاد لمحاسبة العباد ، ومن جانب نشر الصحف التي تحتوي على سائر أعمال الإنسان التي ارتكبها خلال حياته صغيرها وكبيرها ، ومن جانب اتضاح ملامح النار والعذاب الإلهي واستحالة العودة لإصلاح ما فات وعدم وجود خليلٍ ومنقذ ! إنّ هذه الوقائع والتي يكفي كل واحد منها بوحده لقلب أفئدة الناس ، تقع جميعها في وقت واحد ، تجعل الإنسان في حصار شديد ممّا يؤدّي به إلى أن يقلّب عينيه في كل جانب بدون إرادة ويتلفت إلى كل جانب باضطراب يطلب العون ، وعلى حد تعبير القرآن أنّها تقلب الأبصار وأحياناً تقف عن الحركة نهائياً وتبقى الأجفان مفتوحة وكأن روح الإنسان فارقت جسده !